ابن حمدون

224

التذكرة الحمدونية

الدنيا في تلوّن أحداثها وتفاضل أرزاقها فهو حاصل على الثاني لا شكّ فيه ولا شبهة عند كلّ ذي لبّ وديانة ، ولا يعدم مزيدا ، لأنّ حظوظه بقدر الفائت من غيره . فإذا تدبر الإنسان [ أمره ] وجده مبنيّا [ 1 ] على تدريج في الزيادة ، قد لزم نطاقا لا يقطعه ، ومنهاجا [ 2 ] لا يزول عنه ، وصادف كلّ منزلة من منازله فوق التي أمامها ، ودون التي وراءها ، إذ كان معدوما ثم صار موجودا على ضروب [ 3 ] يخرج فيها من واحدة إلى أخرى : قد مار في ظهور الذكور ، وارتكض في أرحام [ 4 ] الإناث ، ثم برز إلى الهواء فنسمه ، ووقع إلى الثدي فارتضعه ، ونما على الأرض فحبا ، ونهض فسعى ، ووعى [ 5 ] وعقل ورأى ، وأخذ وأعطى ، واستمر به النشوء [ 6 ] مترقّيا من كلّ حال إلى ما هو أعلى ، ومن كلّ غاية إلى ما هو أوفى ، وهو مع ذلك [ 7 ] لا ينتقل إلى الرتبة الفاضلة إلا بمفارقة المفضولة ، ولا يصل إلى المستأنفة إلا بالانفصال عن السالفة ، حتى إذا نال الكمال أطلعه اللَّه على ضروب مواهبه لديه ، وصنوف إحسانه إليه ، وأمره بأوامره ، [ وزجره بزواجره ، ووعده وأوعده ، وخبره وأنذره ، ووفاه ما رزقه من أجله ] [ 8 ] توفاه عند المحتوم من أجله ، ثم بعثه إلى مقر بناه على إمكان البقاء والخلود ، وسقوط التكاليف والحدود ، وهناك تتناهى النعمة عليه التي هو في هذا العالم مجتاز إليها ومتوجّه نحوها في طريق قد أمر بلزوم جوادّها ، ونهي عن التعسّف في أغوارها [ 9 ] ؛ لكنه ينتقل في هذه المراتب مكرها لا طائعا ، ومجبرا لا مختارا .